هل يمكن للعقل أن يساعد الجسم على الاستفادة بشكل أفضل من اللقاحات؟ هذا ما تناولته دراسة علمية حديثة تشير إلى أن التفكير الإيجابي قد لا يكون مجرد شعور عابر، بل عاملاً قادراً على تعزيز استجابة الجهاز المناعي، في اكتشاف يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين الدماغ والصحة الجسدية.
ووفقاً لدراسة نُشرت في مجلة Nature Medicine، توصل باحثون إلى أن تنشيط مناطق معينة في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والتوقعات الإيجابية قد يؤدي إلى إنتاج مستويات أعلى من الأجسام المضادة بعد تلقي اللقاحات.
ولطالما عرف العلماء أن هناك تواصلاً مستمراً بين الدماغ والجسم، ويظهر ذلك بوضوح في ظاهرة "تأثير الدواء الوهمي"، حيث يمكن لتوقع المريض لنتيجة إيجابية أن يُحدث تغيرات فسيولوجية حقيقية. وتعزز الدراسة الجديدة هذا المفهوم، ولكن من خلال تجربة علمية محكمة تعتمد على تقنيات تصوير الدماغ الحديثة.
وشارك في الدراسة 85 متطوعاً قُسموا إلى ثلاث مجموعات. خضعت المجموعة الأولى لتدريب ذهني باستخدام تقنية "التغذية الراجعة العصبية عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي" (fMRI neurofeedback)، وهي تقنية تتيح للمشارك مراقبة نشاط دماغه في الوقت الحقيقي.
وتم تدريب هؤلاء المشاركين على أداء تمارين ذهنية تهدف إلى زيادة نشاط المسار الميزوليمبي في الدماغ، المعروف بـ"مسار المكافأة"، والذي يرتبط بالمشاعر الإيجابية والتحفيز. وعندما ينجح المشاركون في تنشيط هذا المسار، كانت تظهر على الشاشة صورة وجه يصبح أكثر سعادة تدريجياً، في إشارة إلى تحقيق الهدف العصبي المطلوب.
أما المجموعة الثانية، فتلقت تدريباً عصبياً مماثلاً من حيث الجهد الذهني، لكنه ركز على مناطق دماغية غير مرتبطة بالمكافأة، بينما لم تخضع المجموعة الثالثة لأي تدريب عصبي.
وبعد الانتهاء من جلسات التدريب، تلقى جميع المشاركين لقاح "التهاب الكبد الوبائي ب"، وهو لقاح يُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث لقياس الاستجابة المناعية. وتم قياس مستويات الأجسام المضادة بعد 14 و28 يوماً من التطعيم.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين تمكنوا من تنشيط منطقة “المنطقة السقيفية البطنية” (VTA) – وهي جزء أساسي من مسار المكافأة – أنتجوا كميات أكبر من الأجسام المضادة مقارنة بالمجموعات الأخرى، ما يشير إلى استجابة مناعية أقوى.
كما لاحظ الباحثون أن هذه الزيادة كانت أوضح لدى المشاركين الذين كانوا يتطلعون إلى أحداث إيجابية قادمة، مثل عطلة قريبة، وهو ما يعزز فرضية دور التوقعات الإيجابية وتأثيرها المشابه لتأثير الدواء الوهمي.
ورغم أن عدد المشاركين كان محدوداً، يرى الباحثون أن الدراسة تقدم دليلاً أولياً على وجود آلية ينظم بها الدماغ الجهاز المناعي لدى البشر. ويشير فريق البحث إلى أن هذه النتائج قد تفتح المجال أمام تدخلات نفسية غير دوائية لدعم فعالية اللقاحات والعلاجات الطبية، خاصة في مجالات مثل علاج السرطان والالتهابات المزمنة.
ويؤكد الباحثون في ختام دراستهم أن "تسخير قدرات العقل والدماغ الطبيعية قد يساعد الجسم على الشفاء بشكل أفضل"، مع التشديد على الحاجة إلى دراسات أوسع لتأكيد هذه النتائج.